الدب الروسي واعظا




الدب الروسي واعظا
وقف الدب القطبي , وعلي يمينه البطريرك الأكبر , هكذا خرج وهكذا تكلم , فجمع بين قوتين , قوة الدين وسلطته الروحية , وقوة السلطة السياسية , لامعا براقا , فماذا قال:
لقد ابتعدت البلاد الاوروبية عن جذورها وقيمها المسيحية. القرارات السياسية يتم تنفيذها على مستوى واحد، دون التفريق بين الذين يؤمنون بالله والذين يؤمنون بالشيطان، وبين الزواج التقليدي متعدد الأطفال والزواج المثلي من نفس الجنس".

هكذا أفتتح الدب الروسي , كلمته , والتي افردت لها الواشنطن بوست عنوانا قويا من هو المُلحد الآن؟ روسيا تقول انها الولايات المتحدة
إنه الدب الروسي , الرئيس بوتين , رجل الكي جي بي الذي أنقذ روسيا من براثن الضياع التي احاطت بالدولة الروسية بعد سقوط يلتسن , الفوضي , والعصابات , والقتل , وعجز الموازنة بالمليارات.
وقد يظن البعض , ان كلمة بوتين , وخطابه خطابا من النوع الدعائي , الذي يستخدم لأغراض الدعاية والحفاظ علي النجومية , ولكن للأسف فهذا المقال , بالنسبة للبعض الأخر , يمثل نقله في رقعة الشطرنج , نقلة هجومية تعلن إستعدادا جديدا للنظام الروسي للدخول إلي معادلة القوة الدولية مرة أخري , ولعودة حفظ التوازن في العالم.
فدفاع بوتين عن القيم الأخلاقية اليوم , يعني ببساطة هو إعادة صياغة لأهداف الدولة الروسية , وقد أكد ذلك في كلمته حينما قال أن الدولة الروسية المدافعة القوية عن القيم التقليدية ضد الدول الغربية المفلسة أخلاقيًا. ويصر الضابط السابق للـ "كي جي بي" أن المحافظة على القيم الاجتماعية والدينية هو السبييل الوحيد لمنع العالم من الانزلاق للفوضى والظلام.
إذن لقد صاغ الهدف الجديد للدولة الروسية , وهو الزريعة المثلي للتدخل في أية أحداث , الدفاع عن القيم التقليدية , لمنع العالم من الإنزلاق في الفوضي , صياغة الهدف بمثل هذا الشكل , تعني أن روسيا سوف تركز علي اليمين المسيحي المحافظ , سواء في أوربا أو الولايات المتحدة الأمريكية , فقد يصبح بعد فترة من الوقت الرئيس الروسي , قائدا ملهما لأمريكا , وقد يتطلعون إلي أن يكون يوما ما رئيسا لأمريكا نفسها.
هكذا يكون درو الزعيم , ليس فقط في خلق الصدي المدوي للخطب , والوعظات ,ولكن تأسيس المباديء التي يطمح إليها المعتدلون والمحافظون , فيصبح في خضم تضارب المصالح كنقطة بيضاء ناصعة في صورة سوداء قاتمة يتطلع إليها أحرار العالم.
وقد يتشكك البعض في موضوع هذا المقال , لكني قطعا للشك باليقين سوف أربط كلمات بوتين , بموقفين لهما من الدلالة بأكثر مما يتصور البعض , الموقف الأول وهو يهدي للمشير السيسي معطفا مزينا بالنجمة الحمراء , وهذا الموقف له دلالاته القوية , فالمشير في زيارة رسمية , ولا يصح تأويل أي موقف إلا من خلال وضعها الرسمي حتي في المجاملات , فالموقف يعني إدراك الإدارة الروسية , لموقف المشير السيسي , والوضع في مصر , والمعطف الروسي في الثقافة الروسية , يعني الحياة , فالبرد القارس في روسيا هو مركتز رئيسي تنطلق منه الثقافة , فمن الفودكا إلي المعطف قصص طويلة , لكنها في معناها , الحماية من الموت , فكأن لسان حال بوتين , يقول نحن نعلم أن الطقس قارس في الخارج , وهذا المعطف سوف يحميك من الموت بردا.
ومن الدلالات التي يجب ان نتبه لها , أيضا هو ان المخابرات الروسية الكي جي بي , أصبحت تعمل في مصر وبقوة , فبوتين رجل إستخبارات من الطراز الرفيع , وهو لا يتحرك إلا بماهو موثق من معلومات وتقديرات جهاز إستخباراته , وماكان له ان يرسل مثل هذه الرسالة وماتحمله من رموز إلا إذا كان علي دراية تامة بما يحدث , وما سيحدث.
الأدهي من ذلك كله , هو ان الموقف الروسي , يعني بالضرورة أنه يعرف الكثير عن تحركات الولايات المتحدة , والكثير هنا تعني بأكثر مما ينبغي أن تعرف , فطالما حدثنا تاريخ الكي جي بي , وبإعتراف قادة السي أي إيه , انه لا أحد يستطيع ان يجد شيئا أراد الروس أخفاؤه.
إن التعاون الروسي المصري , في الفترة القادمة لن يكون علي مستوي التعاون العسكري , ولكنه سيتعدي ذلك بكثير , فالسيسي وبوتين يشتركان في الكثير , فكلاهما عسكريان , كلاهما رجل إستخبارات , وكلاهما منقذان لشعبيهما.
وعودا لخطاب بوتين , وتأثير دخول روسيا علي الصراع الدائر في مصر والشرق الأوسط , من خلال شراكتها مع مصر , نتسائل
إن الشراكة الأمريكية المصرية , قد ساعدت عملاء السي أي إيه , كي تؤسس في مصر , عدد ضخم من الطوابير , ومن عملاء النفوذ الذين يشكلون اليوم تحديا أمام الإرادة الشعبية المصرية , فهل نستيقظ يوما لنجد أن ما حدث كنتيجة لتلك الشراكة , يتكرر مع الروس , فيصبح لدينا طرفين , أحدهما مدعوم من الإدارة الأمريكية والغربية عموما , والطرف الأخر مدعوم من الإدارة الروسية , فيما يشكل في نهاية الأمر , نفس النتيجة , بخلق صراع مثل الذي يحدث في سوريا , فالجيش الحر السوري , مدعوم من أمريكا والغرب , والنظام السوري مدعوم من روسيا , وقليلا من الدعم الخفي من الصينيين , هل يصبح التعاون الروسي المصري , سببا في تأسيس الحرب الأهلية , أم يصبح سببا في تدمير الخطة الأمريكية في تقسيم الشرق الأوسط كما تريد.
أما الموقف الثاني , فهو تزامن زيارة قائد القوات الجوية الروسية , وكذلك وفد الكونجرس بقيادة رئيس لجنة الإستخابارات الأمريكية , والموقفين السابق الإشارة لهما , يؤكدان أن الصراع قد بدأ يأخذ شكلا أخر , وأصبح تواجد القوتين اولهما القوة الأعظم , وثانيهما الدب الروسي الذي بدأ يستيقظ معلنا للعالم أنه عائد , وكلا القوتين يبنيان مجدهما علي قبور الغلابة والفقراء من شعوب الأرض.
إن مايفعله بوتين اليوم , يؤكد بمالايدع مجالا للشك , بأن نظرية الأمن القومي لأية دولة , تبني علي تأسيس المباديء , التي تسمح للدولة بأن تحافظ علي كيانها وعلي مقدراتها , ومصالحها , فبوتين يؤسس لنظرية أمن جديدة لروسيا , ويسعي لتأكيد هذه النظرية , بوضع ثوابت جديدة علي خريطة الواقع ويحشرها في معادلة القوة, ويعلن للعالم من خلال ذلك بخصوات ثابتة , تستند علي أساس روحي وعقلي وعقائدي وسياسي وعسكري , وفي نفس الوقت وفي نفس الصورة , نجد اننا أصبحنا جزءا من صورة يرسمها الأخرون لنظرية الأمن الخاصة بهم , فمتي سوف نرسم صورتنا الخاصة التي نضع فيها العالم كما نريد وحيثما نريد.
ونهاية , فإنني أري أن المشير السيسي ماكان له أن يقبل تلك الرمزية التي أراد بوتين فرضها علي مصر , فالمشير لم يعد ملكا لنفسه , فهو شخصية تمثل العسكرية المصرية , وتمثل فوق ذلك , الكرامة والإرادة ولا يجوز أبدا للكرامة المصرية أن تنضوي تحت معاطف الأخرين.

علاء سعد
خبير وإستشاري نظم المعلومات






تعليقات