إبيستيمولوجيا الأمن القومي (البصيرة)

 إبيستيمولوجيا الأمن القومي (البصيرة)

إن إصطلاح إبيستيمولوجي يأتي من أصل يوناني لكلمتين إيبستيمي وتعني معرفة أو علم , و لوجوس وتعني دراسة أو منطق وترجمتها الشائعة هي نظرية المعرفة إنها و ببساطة كالبوصلة التي تضمن لنا ان لا نتخبط في بحر المعلومات , وخصوصا في عصرنا هذا الذي هو عصر المعلومات بكل ما تحمله الكلمة من معان.

فنظرة بسيطة علي  تاريخنا ستدلنا بوضوح للفارق الهائل بيننا وبين القرون الأولي , فالقراءة في حد ذاتها كانت عملا لايقوم به إلا الصفوة وهناك مقوله قالها القديس أغسطينوس وهو يصف استاذه القديس أمبروز وهو مندهشا جدا حين رأى أمبروز يقرأ، فكتب يقول:

"عندما كان يقرأ، كانت عيناه تجولان في الصفحات وقلبه يسبر أغوار المعنى، لكن صوته كان ساكناً ولسانه صامتاً".

المعني هنا ان أمبروز كان يقرأ بعينيه فقط  , ومثال أخر هو مكانة الكتب السماوية عند الشعوب فإنزال كتاب من السماء في حد ذاته كان معجزة تستحق ان يكون مقابلها الإيمان بالرسول صاحب الرسالة.

أما اليوم , فغالبية الناس تقرا وبصمت , وأغرقتنا التكنولوجيا بأنواع شتي من مصادر المعرفة.

لكن بالرغم من أن الجميع يقرأ وبصمت , إلا ان هذه القراءة في احيان كثيرة قد تكون قراءة خارج الإطار الأبستيمولوجي , اي أنها لا تخدم نظرية المعرفة ولا تتبعها , فتكون نتيجتها كم من المعلومات في سياقات مختلفه لايخدم بالضرورة إلا أهدافا متفرقة ولا تكون صورة كلية نستطيع ان نعتمد عليها في حل مشكلاتنا أو تطوير أحوالنا.

ومن أدق الصور هو عنوان مقالتنا فمعرفة سواء المتخصصين او الغير متخصصين لم تنتج لنا او تخرج عملا يصح ان نقول عليه في نهاية المطاف إبيستولوجيا الأمن القومي أو نظرية معرفة الأمن القومي , وانا هنا لا أتحدث عن نظرية الأمن بالرغم مما فيها من الإخفاقات بما يتخطي قدرة هذه الصفحات علي التوضيح ولكنني اتحدث عن تأطير المعرفة بالأمن القومي في غلاف من الأبستمولوجيا.

ولكي نفهم المقصود بذلك دعونا نستغرق ونبحر قليلا في السياق الأبيستيمولوجي من خلال الأسئلة التالية وإجاباتها.

1-  ماهو مصدر المعرفة ومن أين تأتي

إن مصادر المعرفة كما حددتها المدارس الفلسفية الحديثة هي

·    المدرسة العقلانية وتري أن العقل هو المصدر الأساسي من خلال الفطرة والمنطق والرياضيات ومن روادها (ديكارت وسبينزوا)

·    المدرسة التجريبية وتري ان العقل صفحة بيضاء والمعرفة تاتي من خلال الحواس والتجربة ومن روادها (جون لوك وديفيد هيوم)

·    المدرسة النقدية ان المعرفة تبدا بالتجربة لكن العقل ينظمها من خلال مايعرف بالمقولات(12 مقوله) عند إيمانويل كانط وهو رائد هذا المذهب .

2-   طبيعة المعرفة كالأعتقاد والحقيقة والتبرير في المدرسة الكلاسيكية.

3-  ثم حدود المعرفة وماالذي لا يمكننا معرفته والشك بداية من الحواس وصعودا للأدلة والذي في نهاية المطاف يصلنا الي العدمية أي إلي عدم القدرة علي المعرفة اليقينية واننا لا نستطيع التأكد ابدا من ان مانراه هو حقيقي.

فلو تحدثنا الأن عن الأمن القومي متبعين خطوات الأبستمولوجيا فأول ما يجب علينا فعله هو أن نسأل انفسنا ماهو مصدر المعرفه لدينا , هل هي نتيجة لقدراتنا وممارساتنا العقلية من خلال الفطرة والمنطق والرياضيات , أم أنها اتت من خلال التجربة , ام أن التجربة المنظمة داخل عقولنا هي مصدر لتلك المعرفة.

إذن أي مدرسة فلسفية سنتناولها من اجل الوصول الي هدفنا الذي هو بالضرورة ليس البحث عن الأسرار أو فيها , ولا الخوض في المعلومات وتحليلها إن هدفنا هو هدف كل منظر أو فيلسوف(وان كنتي لا اعتبر نفسي فيلسوفا) هو استخدام الفلسفه للوصول الي الحقيقة , وبعد ان نصل للحقيقة سنسعي حينها للوصول الي ماوراء تلك الحقيقة.
أيها القاريء إننا نسعي الي ماوراء حقيقة الأمن القومي(إنها البصيرة).

 

علاء سعد

خبير وإستشاري نظم المعلومات

تعليقات